"زينة العقل اللسان".. جرة أثرية في مدينة زارها ابن بطوطة تكشف عمق "الحكمة المشتركة" بين الترك والعالم الإسلامي
أستانا/إسطنبول – في اكتشاف يعيد تشكيل فهمنا لانتشار الثقافة والأدب في العالم التركي القديم، كشفت دراسات حديثة أجريت على "جرة سرايجيك" (Saraycık Testisi) – وهي قطعة أثرية عُثر عليها في كازاخستان – عن وجود نقوش شعرية مقتبسة مباشرة من كتاب "قوتادغو بيليغ" (Kutadgu Bilig)، أحد أهم كلاسيكيات الأدب التركي الإسلامي، مما يثبت أن الأدب الرفيع لم يكن حبيس القصور بل وصل إلى أواني المياه في الحياة اليومية.
حكمة على الطين
وأوضح الدكتور مسوت كاراكولاك، عضو هيئة التدريس بجامعة "أنقرة حاجي بيرم ولي"، أن الجرة التي يعود تاريخها للقرنين الثالث عشر والرابع عشر، تحمل نقوشاً باللغة التركية "القرخانلية". وأهم ما يميزها هو بيت شعري مقتبس حرفياً من يوسف خاص حاجب، مؤلف "قوتادغو بيليغ" في القرن الحادي عشر، يقول:
"زينة العقل اللسان، وزينة اللسان الكلام؛ زينة الشخص الوجه، وزينة الوجه العينان".
كما تحمل الجرة بيتاً آخراً يُعتقد أنه من حكم المتصوف أحمد يسوي، يتحدث عن التضحية بالروح في سبيل العلم والفن، مما يحول هذه الجرة من أداة نفعية بسيطة إلى "كتاب مفتوح" يعكس قيم المجتمع آنذاك.
قصة الاكتشاف: من 24 قطعة مهشمة إلى وثيقة تاريخية
تعود قصة هذه القطعة إلى عام 1909، حين استخرجها علماء الآثار من عمق 6-7 أمتار تحت الأرض في مدينة "سرايجيك" التاريخية غربي كازاخستان. كانت الجرة مهشمة إلى 24 قطعة، ولكن بعد تجميعها وترميمها بدقة، لاحظ الخبراء وجود كتابات عليها.
ويكمن الإعجاز في هذا الاكتشاف، بحسب الخبراء، في أن النص الأدبي الذي كُتب في القرن الحادي عشر (عصر القرخانيين) ظل حياً ومتداولاً لقرون وانتقل عبر آلاف الكيلومترات ليُنقش على جرة ماء عادية في عصر "القبيلة الذهبية"، مما يؤكد أن الثقافة الصوفية والأدبية كانت متجذرة بعمق في وجدان الشعب وليست حكراً على النخبة.
سرايجيك: جسر بين الشرق والغرب
كانت مدينة "سرايجيك"، التي عُثر فيها على الجرة، تمثل عقدة مواصلات حيوية في العصور الوسطى على ضفاف نهر الأورال شمال بحر قزوين. وقد وصفها الرحالة ابن بطوطة في القرن الرابع عشر بأنها مركز حضاري يضج بالحياة الفكرية والتجارية، و"قصر صغير" يربط بين العالم الإسلامي ومجتمعات السهوب التركية.
تلاقح فني مع الأناضول
وفي سياق متصل، أثبتت الدراسات المقارنة التي أجراها الدكتور محرم تشيكين من جامعة أنقرة، وجود تشابه مذهل بين تقنيات الزخرفة على سيراميك "سرايجيك" وفن البلاط السلجوقي في قونية بتركيا خلال القرن الثالث عشر. هذا التشابه يؤكد وجود "شبكة تواصل فنية" نشطة وتفاعل ثقافي عابر للحدود الجغرافية بين الأناضول وآسيا الوسطى في تلك الحقبة، حيث انتقل الحرفيون والأنماط الفنية بحرية بين المنطقتين.