يبدو أن كل الأبواب تُغلق تباعاً في وجه تيار "التغيير" داخل حزب الشعب الجمهوري (CHP). ففي تطور قانوني حاسم يسدل الستار على إحدى أهم جولات الصراع الداخلي للمعارضة، أصدرت الهيئة العليا للانتخابات في تركيا (YSK) قرارها المسبب برفض التدخل لإنقاذ رئيس الحزب الموقوف "أوزغور أوزيل" وإدارته.

"أوزيل"، الذي تم إبعاده عن إدارة الحزب بقرار محكمة مدنية قضى بـ "البطلان المطلق" للمؤتمر العام الأخير، كان قد لجأ إلى الهيئة العليا للانتخابات كـ "طوق نجاة" أخير، مطالباً إياها بإصدار قرار يؤكد صحة وثائق الانتخاب (المضبطة) واستمرار إدارته في مهامها. لكن الرد جاء صادماً وحاسماً.. منصة "تركيا 360" تغوص في الحيثيات القانونية المعقدة لقرار الرفض، ونبسطها للقارئ ليفهم خفايا هذا المشهد المعقد.

1. "سلطتنا تقف عند صندوق الاقتراع".. لا علاقة لنا بخلافاتكم!

في ردها التفصيلي، وضعت الهيئة العليا للانتخابات حداً فاصلاً لمهامها. وأوضحت أن رقابتها على مؤتمرات الأحزاب السياسية تقتصر حصرياً على الجانب "الإجرائي للانتخابات"؛ أي يوم التصويت، وفرز الأصوات، والتأكد من سلامة المحاضر.

وقالت الهيئة بوضوح: "المسائل المتعلقة بجدول أعمال المؤتمر، أو القرارات المتخذة فيه، أو المطالبة بإلغاء المؤتمر من الأساس، تقع تماماً خارج نطاق اختصاص لجان الانتخابات". بعبارة أخرى؛ الهيئة تقول لأوزيل: نحن نراقب الصندوق فقط، أما صراعاتكم السياسية وحروبكم الداخلية على أجندة الحزب فهي ليست من شأننا.

2. "طرقتم الباب الخطأ".. اذهبوا إلى محكمة النقض (Yargıtay)

ردت الهيئة على مطالبة إدارة أوزيل بالالتفاف على قرار محكمة الاستئناف الإقليمية في أنقرة (الصادر في 21 مايو بتعليق مهامهم). وأكدت الهيئة أن هذا الطلب يفتقر إلى السند القانوني، مشيرة إلى قانون أصول المحاكمات المدنية.

وقالت الهيئة بلهجة قانونية صارمة: "الهيئة العليا للانتخابات ليست جهة تمييز (طعن) لقرارات المحاكم المدنية.. هذا أمر غني عن أي بيان". وأضافت أن الجهة الوحيدة المخولة بنقض أو مراجعة قرار محكمة الاستئناف الإقليمية هي "محكمة النقض" (Yargıtay)، وبالتالي، فإنه لا يمكن للهيئة العليا للانتخابات أن تلعب دور القاضي الأعلى لإلغاء قرارات المحاكم المدنية.

3. قضايا الفساد المالي والتنظيمي.. ليست مهمة لجنة الانتخابات

أشارت الهيئة في حيثياتها إلى أن قانون الأحزاب السياسية يسمح بإلغاء الانتخابات إذا كان هناك تزوير مباشر في الأصوات. ولكن، عندما تتعلق الادعاءات بمسائل تتطلب فحص أدلة مادية وقانونية معقدة (مثل الانتهاكات الجسيمة للقانون المدني وقانون الجمعيات التي استندت إليها المحكمة في قرار الإيقاف)، فإن لجان الانتخابات لا تملك أي صلاحية للتحقيق فيها.

4. "لا يوجد اغتصاب للسلطة".. المحاكم المدنية قامت بعملها

حاول تيار أوزيل في طعنه التذرع بأن المحاكم المدنية "اغتصبت سلطة" الهيئة العليا للانتخابات بتدخلها في شؤون مؤتمر حزبي. إلا أن الهيئة نسفت هذه الحجة تماماً، مؤكدة أن عملها في انتخابات الأحزاب محدود بـ "يوم التصويت وما بعده".

أما الإجراءات والنزاعات التي سبقت الانتخابات (مثل طريقة اختيار المندوبين أو شرعية الدعوة للمؤتمر)، فهي تخضع للقانون المدني وقانون الجمعيات، وبالتالي فإن تدخل المحاكم المدنية للنظر فيها يتوافق تماماً مع المادة 138 من الدستور، ولا يُعد بأي شكل من الأشكال "اغتصاباً للصلاحيات".

بهذا القرار المسبب والمُحكم، أغلقت الهيئة العليا للانتخابات الممر الإداري الأخير الذي كان يأمل أوزيل وتياره في العبور منه للعودة إلى مقر الحزب. الرسالة واضحة: الهيئة لن تدخل في صدام مع القضاء المدني لإنقاذ أي طرف سياسي. والآن، لم يتبقَّ أمام تيار "التغيير" سوى خوض معركة حياة أو موت داخل أروقة محكمة النقض العليا، في وقت يواصل فيه "الحرس القديم" بقيادة كليجدار أوغلو إحكام قبضته على مفاصل الحزب العريق.