دافوس (سويسرا) – في تحول دراماتيكي ينسف المسلمات التعليمية التي استقرت لعقدين من الزمان، وجه قادة التكنولوجيا والتعليم في المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس 2026) رسالة صادمة ومباشرة للآباء، الحكومات، والمؤسسات التعليمية حول العالم: "توقفوا عن هوس تعليم لغات البرمجة لأطفالكم.. فاللغة البشرية هي لغة البرمجة الجديدة".
الجلسة التي حملت عنوان "إعادة التفكير في التعليم: ما الذي يستحق التعلم؟" لم تكن مجرد ندوة تقليدية، بل تحولت إلى "محاكمة علنية" للمناهج الدراسية الحالية، حيث أعلن الخبراء وفاة نموذج "التعليم من أجل الوظيفة" التقليدي، وبشروا بعصر جديد البقاء فيه ليس للأكثر حفظاً، بل للأكثر مرونة.
سقوط "وهم" لغات البرمجة
لسنوات طويلة، كان الشعار العالمي هو "البرمجة هي لغة المستقبل"، مما دفع ملايين الآباء لإنفاق ثروات لتعليم أطفالهم لغات مثل (Java) و(Python). لكن كيان كاتانفروش، الرئيس التنفيذي لشركة (Workera) والمحاضر في جامعة ستانفورد، فجّر القنبلة داخل أروقة المنتدى.
يقول كاتانفروش: "تعليم الأطفال اليوم كيفية كتابة الأكواد البرمجية (Syntax) هو بمثابة تعليمهم كيفية إشعال النار بالحجر في عصر الولاعات. الذكاء الاصطناعي الآن يكتب الكود أسرع وأدق وأرخص من أي مبرمج بشري. قضاء سنوات في إتقان الفواصل والأقواس هو استثمار في مهارة قيمتها السوقية تقترب من الصفر".
وبحسب الرؤية الجديدة التي طرحت في دافوس، فإن المبرمج التقليدي (Code Monkey) الذي ينفذ التعليمات قد انتهى، ليحل محله "مهندس النظم" الذي يستخدم اللغة الطبيعية (العربية أو الإنجليزية) لإعطاء أوامر للذكاء الاصطناعي لبناء برمجيات معقدة في ثوانٍ.
المهارة القاتلة: "صلاحية العقل" تنتهي كل عامين
وفي طرح اقتصادي مرعب، كشف جيف ماجيونكالدا، الرئيس التنفيذي لمنصة (Coursera)، عن انهيار ما يسمى بـ "نصف العمر للمهارة" (Half-Life of Skills).
أوضح ماجيونكالدا: "في القرن العشرين، كانت المهارة تعيش معك لـ 30 عاماً. اليوم، المهارة التقنية تموت بعد 18 شهراً فقط. نحن نخرج طلاباً بشهادات جامعية 'منتهية الصلاحية' قبل أن يتسلموها".
وأضاف محذراً: "الأمي في هذا العصر ليس من لا يقرأ، بل من لا يملك القدرة النفسية على 'محو ما تعلمه' (Unlearning). الخطر الأكبر على مستقبلك المهني ليس ما لا تعرفه، بل ما تعرفه وتتمسك به بينما العالم قد تجاوزه. على البشر أن يعتادوا العودة لخانة 'المبتدئ' مراراً وتكراراً".
عودة الفلسفة.. وانتقام العلوم الإنسانية
على الجانب الآخر، وفي مفارقة غريبة، دعا قادة التكنولوجيا إلى العودة لتدريس الفلسفة، الأخلاقيات، والعلوم الإنسانية كمهارات تقنية أساسية.
وبرر المتحدثون ذلك بأن الذكاء الاصطناعي يمتلك "الذكاء" لكنه يفتقد "السياق" و"الحكم الأخلاقي". ففي عالم يديره وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلون (Autonomous Agents)، تصبح القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، واتخاذ القرارات الأخلاقية المعقدة، وفهم النفس البشرية، هي الميزة التنافسية الوحيدة للبشر.
واتفقت ويندي كوب، الرئيسة التنفيذية لـ (Teach For All)، مع هذا الطرح مؤكدة أن "المهارات الناعمة" مثل القيادة، والتعاطف، والمرونة العاطفية، تحولت من "كماليات" إلى "ضرورات بقاء" لا يمكن للآلة أتمتتها.
تحذير من "فجوة معرفية" ساحقة
اختُتمت الجلسة بتحذير شديد اللهجة من أن العالم يتجه لانقسام حاد بين نوعين من البشر:
-
المُعززون (Augmented): وهم قلة يتعلمون كيفية "إدارة" الذكاء الاصطناعي واستخدامه لمضاعفة إنتاجيتهم.
-
المقاومون: وهم الغالبية التي يتم تعليمها بطرق تقليدية (الحفظ والامتحانات الورقية)، وهؤلاء سيجدون أنفسهم خارج سوق العمل فور تخرجهم.
الرسالة النهائية من دافوس 2026 كانت واضحة وقاسية: "لا تعلموا أبناءكم كيف ينافسون الروبوت في مهامه، بل علموهم كيف يديرونه. توقفوا عن حشو رؤوسهم بالإجابات، وعلموهم كيف يطرحون الأسئلة.. فالمستقبل ليس لمن يكتب الكود، بل لمن يملك الحكمة".