أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن خطوتين استراتيجيتين من شأنهما إحداث تحول جذري في قطاع التمويل الإسلامي (الصيرفة التشاركية) في تركيا، تهدفان إلى خلق كيان مالي عملاق وإتاحة الفرصة للمواطنين ليكونوا شركاء في النمو الاقتصادي.
جاء ذلك خلال كلمته في "القمة العالمية الثالثة للاقتصاد الإسلامي" المنعقدة في مركز إسطنبول المالي، حيث رسم الرئيس ملامح العمارة المالية الجديدة لتركيا وسط تحديات اقتصادية وجيوسياسية عالمية معقدة.
منصة "تركيا 360" تضع بين أيديكم التفاصيل الكاملة والقرارات التاريخية التي أعلنها الرئيس، لتبسيط مشهد التمويل الجديد في البلاد:
1. الدمج الأكبر: ولادة كيان مالي إسلامي عملاق
أعلن الرئيس أردوغان رسمياً عن قرار دمج البنوك التشاركية الحكومية الثلاثة الكبرى في تركيا، وهي: (Ziraat Katılım) و(Vakıf Katılım) و(Halk Katılım).
-
الهدف الاقتصادي: يهدف هذا الدمج إلى توحيد القوى وخلق تآزر (Sinerji) ضخم وضخ زخم قوي ومختلف في قطاع التمويل الإسلامي، مما يعزز من قدرة هذه البنوك التنافسية محلياً ودولياً.
2. "إملاك كاتاليم" إلى البورصة.. المواطن شريك في الأرباح
بعد النجاح الكبير الذي حققه بنك العقارات التركي العريق منذ إعادة إحيائه وتحويله إلى بنك تشاركي عام 2018 تحت اسم (Emlak Katılım)، أعلن أردوغان عن مرحلة جديدة للبنك.
-
الاكتتاب العام: تعتزم الحكومة طرح بنك "إملاك كاتاليم" للاكتتاب العام (Halka Arz) في البورصة خلال الفترة المقبلة.
-
الهدف: إتاحة الفرصة للمواطنين الأتراك والمستثمرين ليكونوا شركاء مباشرين في نمو هذا البنك الديناميكي وأرباحه.
3. حوافز تاريخية غير مسبوقة لمركز إسطنبول المالي حتى 2047
لجعل تركيا نقطة التقاء عالمية للاستثمارات والإنتاج والأدوات المالية، استعرض الرئيس حزمة حوافز قانونية وضريبية استثنائية دخلت حيز التنفيذ حديثاً لشركات التمويل الإسلامي في مركز إسطنبول المالي (İFM)، وأبرزها:
-
توزيع أو تمديد الإعفاء الضريبي بنسبة 100% على ضريبة الشركات لأرباح صادرات الخدمات المالية حتى عام 2047.
-
رفع مدة الإعفاء من رسوم الأنشطة المالية من 5 سنوات إلى 20 سنة كاملة.
-
إعفاء أرباح التجارة العابرة (Transit Ticaret) والوساطة الخارجية من ضريبة الشركات.
-
تقديم مزايا وضمانات في ضريبة الدخل للموظفين الدوليين ذوي المؤهلات العالية.
-
تفعيل نظام "المكتب الموحد" (Tek Durak Ofis) قبل 15 يوماً لتسهيل كافة الإجراءات في مكان واحد.
4. بالأرقام.. الصيرفة الإسلامية تقود قاطرة الاقتصاد التركي
كشف الرئيس أردوغان عن أرقام قياسية تعكس مدى ثقة الشارع والمستثمرين في الصيرفة التشاركية بتركيا:
-
حجم القطاع: تجاوز الحجم الإجمالي لأصول البنوك التشاركية (التي يبلغ عددها 10 بنوك، بينها 3 بنوك رقمية) حاجز 4.7 تريليون ليرة تركية، لتستحوذ على 9.5% من إجمالي القطاع المصرفي.
-
سوق الصكوك: وصل إجمالي إصدارات الصكوك (Sukuk) إلى 614 مليار ليرة.
-
بورصة إسطنبول: في الربع الأول من عام 2026، بلغت القيمة السوقية للشركات المدرجة في "مؤشر التوافق الشرعي" (Katılım Endeksi) 36% من إجمالي القيمة السوقية لبورصة إسطنبول بالكامل. ومن بين 6.3 مليون مستثمر في البورصة، هناك 4.4 مليون مستثمر (أي 69%) يستثمرون في شركات المؤشر الإسلامي.
-
شركات الادخار: ارتفع حجم أصول شركات التمويل والادخار التشاركي (مثل شركات شراء المنازل والسيارات بالقرعة) بمقدار 5 أضعاف ليصل إلى 323 مليار ليرة، وتجاوز عدد المشتركين فيها 1.2 مليون شخص.
5. النظام الرأسمالي يحتضر.. والديون العالمية بلغت 350 تريليون دولار
وجه أردوغان انتقادات لاذعة لبنية النظام المالي العالمي الحالي القائم على الفائدة والديون. وكشف عن تقرير حديث لمعهد التمويل الدولي يظهر أن حجم الديون العالمية وصل إلى رقماً مرعباً وهو 350 تريليون دولار في الربع الأول من عام 2026.
وقال الرئيس: "لا يمكن علاج الأمراض التي تتطلب جراحة بضمادات الجروح. النظام المالي الحالي القائم على الفائدة والربا أضاع الفرص طوال 20 عاماً، وقام بكنس المشاكل تحت السجادة بدلاً من حل جذور أزمة 2008. لا بركة في مكان فيه فائدة واستغلال وتنافس غير أخلاقي، والتمويل الإسلامي القائم على العدالة والمشاركة في المخاطر هو النموذج الأكثر عدلاً وأماناً للعالم أجمع".
كما أشار إلى تأثيرات الأزمات الإقليمية مثل استمرار المجازر الإسرائيلية في غزة ولبنان رغم التهدئة، وتوقف حركة الملاحة تقريباً في مضيق هرمز جراء الحرب المرتبطة بإيران، مؤكداً أن أمن الطاقة والتمويل بات قضية أمن قومي للدول.
الدولة التركية تأخذ قطاع التمويل الإسلامي إلى مستوى جديد تماماً؛ دمج البنوك الحكومية الثلاثة سيعني ولادة "غول مصرفي تشاركي" قادر على تمويل المشاريع الضخمة ومنافسة البنوك التقليدية بقوة، بينما يمثل طرح "إملاك كاتاليم" فرصة حقيقية للأفراد للاستثمار الآمن. هذه القرارات، إلى جانب الإعفاءات الضريبية الممتدة لعام 2047، تؤكد أن إسطنبول تمضي بثقة لتكون عاصمة المال الإسلامي في العالم.