عشرون عاماً من الغموض، جثة بلا هوية، وملف جريمة كاد أن يطويه غبار النسيان في أدراج المحاكم.. هكذا بدأت القصة التي انتهت بفك طلاسم واحدة من أعقد الجرائم "مجهولة الفاعل" في تركيا، بفضل تقنيات الحمض النووي (DNA) وإصرار وحدة أمنية متخصصة على عدم ترك أي ملف في الظلام.
منصة "تركيا 360" تغوص في تفاصيل هذا الملف الاستقصائي المثير، والذي أعلن عنه وزير العدل التركي "أكين غورليك"، لنكشف كيف قادت "إبرة في كومة قش" إلى الإيقاع بـ 3 متهمين بعد عقدين من الزمن.
جثة في النهر.. وشاهد القبر "مجهول"
تعود خيوط الجريمة إلى 14 مارس 2006، عندما طفت جثة امرأة مجهولة الهوية في مياه نهر "أوزان" بمنطقة بافرا التابعة لولاية سامسون. أظهرت التحقيقات الجنائية حينها أن الضحية قُتلت برصاصة من عيار 7.65 ملم.
ورغم الجهود الأمنية، لم يتم التعرف على هوية الضحية، ليُغلق الملف مؤقتاً عام 2008 بقرار "بحث دائم"، بينما نُقلت الجثة لتُدفن بصمت في "مقبرة المجهولين" بمنطقة كيليوس في إسطنبول، تاركة خلفها سراً دفيناً تحت التراب.
البحث في "بئر عميق".. قائمة الـ 1000 مفقود
نقطة التحول الكبرى جاءت بتعليمات مباشرة من وزير العدل أكين غورليك، حيث تولت "دائرة التحقيق في الجرائم مجهولة الفاعل" (وهي وحدة تأسست حديثاً ضمن الوزارة) إعادة فتح الملف.
قال الوزير غورليك في بيانه:
"قامت فرقنا بالبحث كمن يحفر بئراً بإبرة.. تم فحص قائمة تضم 1000 مفقود، مع تتبع كافة ارتباطاتهم العائلية. هذا التطور هو أوضح دليل ملموس على أن دولتنا لن تترك أي ملف في الظلام."
قامت الفرق بتوسيع دائرة البحث لتشمل المفقودين المرتبطين بمنطقة البحر الأسود في ولايات إسطنبول، صقاريا، قوجا إيلي، ويالوفا. وهنا، برز اسم "جولجان يازيجي"، التي اختفت في ظروف غامضة منذ 4 أغسطس 2004.
في 15 مايو 2026، تم أخذ عينة حمض نووي (DNA) من ابنتها "سلطان أورتا"، وجاءت النتيجة حاسمة: الجثة المجهولة تعود للأم المفقودة "جولجان".
اعترافات الابنة تفك "عقدة المنشار"
بمجرد التأكد من هوية الضحية، استدعى المحققون الابنة "سلطان" للإدلاء بشهادتها، والتي كشفت بدورها عن تفاصيل مروعة قلبت مسار القضية:
-
عنف منزلي: أكدت الابنة أن والدتها كانت متزوجة عرفياً من والدها "عثمان أورتا"، وأنها كانت تتعرض لتعنيف جسدي مستمر وخلافات حادة.
-
صفقة مرعبة: كشفت "سلطان" أنه بعد اختفاء والدتها فجأة، قام والدها بتركها هي وشقيقها الأصغر في منزل صديقه المقرب "بايرام أكيورك"، مقابل أن يمنحه راتبه التقاعدي ليتكفل برعايتهما!
ليلة السقوط.. بعد 20 عاماً من الهروب
بناءً على هذه الشهادة الصادمة والأدلة التي تم جمعها، وجهت النيابة العامة في "بافرا" بوصلتها نحو 3 مشتبه بهم رئيسيين.
وفي تاريخ 2 يونيو 2026، صدرت قرارات تفتيش ومصادرة واعتقال بحق كل من:
-
عثمان أورتا: الزوج (المتهم الرئيسي بالقتل).
-
بايرام أكيورك: الصديق المقرب للزوج (والذي تكفل برعاية الأطفال).
-
نوري يازيجي: شقيق الضحية (الذي يُعتقد بتورطه أو تستره على الجريمة).