إسطنبول – قبل أن يعرف العالم "اللوحات الإعلانية" أو منصات التواصل الاجتماعي بقرون، كان العثمانيون يرفعون رؤوسهم إلى السماء في ليالي رمضان لقراءة "تغريدات من نور". بين مآذن إسطنبول الشامخة، كانت تُعلق قلائد مضيئة تُعرف بـ "الماهيا" (Mahya)، لتخاطب القلوب قبل العيون بعبارات الترحيب والوعظ.
واليوم، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، تبدأ ورشات العمل التابعة لمديرية الأوقاف التركية، تماماً كما كان يفعل أجدادهم، في نفض الغبار عن "الكابلات" والمصابيح، استعداداً لتزيين رقبة سماء إسطنبول.
"تويتر" القرن السابع عشر
بدأت حكاية هذا الفن الفريد قبل أكثر من 400 عام، وتحديداً في عهد السلطان أحمد الأول. تقول الروايات إن خطاطاً يدعى "حافظ كفوي" قدم للسلطان لوحة فنية مطرزة، فأعجب بها السلطان وأمر بتعليقها بين مآذن "الجامع الأزرق" لتكون مرئية للجميع. ومنذ ذلك الحين، تحولت الفكرة إلى تقليد سلطاني لا يكتمل رمضان بدونه.
كانت "الماهيا" بمثابة "وسيلة الإعلام المرئية" الوحيدة آنذاك. عبارات قصيرة ومؤثرة تظهر في السماء: "مرحباً يا شهر رمضان"، "تذكر اليتيم"، "الصوم صحة". رسائل دينية واجتماعية يقرأها السلطان في قصره، والعامة في أسواقهم.
هندسة "الزيت والنار"
في الماضي، لم يكن الأمر بساطة "كبسة زر". كان "الماهياجي" (صانع الماهيا)، فناناً برتبة مهندس ومغامر. كان عليه أن يخطط الرسمة على الورق أولاً، ثم يحسب بدقة المسافات بين المئذنتين، ويستخدم مئات القناديل المليئة بـ "زيت الزيتون".
في كل ليلة، كان هؤلاء الحرفيون يتسلقون المآذن، ويشعلون القناديل واحداً تلو الآخر، ويحركونها عبر بكرات وحبال معقدة لتشكل الكلمات المطلوبة، متحدين الرياح والأمطار، لتبقى الرسالة مضيئة حتى الفجر.
الإرث المستمر: من الزيت إلى الكهرباء
اليوم، لم تندثر هذه العادة، بل تطورت. استبدلت قناديل الزيت بمصابيح كهربائية (LED) مقاومة للظروف الجوية، واستُبدلت الحبال التقليدية بكابلات فولاذية متينة. ورغم دخول التكنولوجيا، لا يزال "فن الماهيا" حكراً على عدد قليل جداً من الأساتذة (Usta) في تركيا، أبرزهم المعلم "قهرمان يلدز" وفريقه، الذين يعتبرون "الحراس الأخيرين" لهذا الإرث.
تعمل هذه الفرق حالياً، قبل أسابيع من رمضان، في ورشات خاصة بإسطنبول. يتم تصميم العبارات، فحص المصابيح، وتجهيز "الشبكات" لتعليقها أولاً في الجوامع السلاطينية الكبرى (السلطان أحمد، السليمانية، آيا صوفيا، والجامع الجديد).
رسائل هذا العام
وكما جرت العادة، ستبدأ الماهيا بعبارات الترحيب: "Hoş Geldin On Bir Ayın Sultanı" (أهلاً بسلطان الأحد عشر شهراً)، لتتغير في منتصف الشهر إلى عبارات الوعظ والأخلاق، وتختتم في الليالي الأخيرة بعبارة الوداع الحزينة: "Elveda Ya Şehr-i Ramazan" (وداعاً يا شهر رمضان).
فن "الماهيا" ليس مجرد زينة؛ إنه توقيع إسطنبول الخاص، ودليل حي على أن الجمال والضوء كانا دائماً جزءاً من الهوية الروحية لهذه المدينة العريقة.