في خطاب حازم رسم فيه "خطوطاً حمراء" صارمة لإدارة المال العام، وجه الرئيس رجب طيب أردوغان تحذيرات شديدة اللهجة للإدارات المحلية (البلديات)، مؤكداً أن العبث بمقدرات الشعب لن يمر دون حساب.
منصة "تركيا 360" تأخذكم في قراءة تحليلية وشاملة لأبرز ما جاء في خطاب الرئيس أردوغان خلال مشاركته في الذكرى الـ 164 لتأسيس ديوان المحاسبة التركي (Sayıştay)، والذي تحول من مجرد احتفال بروتوكولي إلى منصة لإطلاق رسائل سياسية واقتصادية ثقيلة الوزن.
البلديات تحت المجهر.. "الفضائح لا تُغتفر"
لم يتردد الرئيس أردوغان في توجيه بوصلة النقد مباشرة نحو الإدارات المحلية، في إشارة واضحة لما تشهده الساحة السياسية مؤخراً من جدل حول أداء بعض البلديات.
وفي لهجة لا تخلو من الغضب، قال أردوغان: "الفضائح التي تدور حول الإدارات المحلية، والتي نتابعها مؤخراً تارة باندهاش وتارة أخرى بخجل، لا يمكن تبريرها أو التغاضي عنها أبداً".
وشدد الرئيس على أن محاربة "أولئك الذين يعتبرون أمانة الأمة غنيمة" هي واجب في أعناق الدولة ضمن إطار القانون، محذراً جميع الموظفين العموميين –مهما كانت مناصبهم أو مسمياتهم– من التعامل مع الموارد العامة وكأنها "محافظهم الشخصية"، ومؤكداً أن كل قرش يتم إنفاقه يحمل حق 86 مليون مواطن تركي، وحق الأيتام، وأجيال المستقبل.
فاتورة الانقلابات.. "هكذا نُهبت خزانة الدولة"
وفي سياق حديثه عن حماية المال العام، ربط أردوغان بين الفساد المالي وبين الوصاية السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدتها تركيا.
ذكّر أردوغان الحضور بالتاريخ الاقتصادي المؤلم لتركيا، مشيراً إلى كيفية إفلاس مؤسسة الضمان الاجتماعي (SSK) قديماً، وتفريغ البنوك من محتواها.
ووجه أصابع الاتهام لـ "الانقلابيين وأصحاب الوصاية"، مؤكداً أن التدخلات المناهضة للديمقراطية، بدءاً من انقلاب 27 مايو 1960، كبدت البلاد مليارات الدولارات وأفقرت الشعب.
وكشف أردوغان عن أرقام صادمة، حيث أوضح أن محاولة الانقلاب الدموية التي قادها تنظيم "غولن" (FETÖ) في 15 يوليو 2016 كلفت الاقتصاد التركي أكثر من 350 مليار دولار.
كما أشار إلى أن أحداث "جيزي بارك" بلغت تكلفتها المباشرة 1.5 مليار دولار، بينما تجاوزت تكلفتها غير المباشرة عشرات المليارات.
ديوان المحاسبة.. حارس "قرن تركيا"
على الصعيد المؤسسي، أشاد أردوغان بالدور المحوري الذي يلعبه ديوان المحاسبة التركي (Sayıştay)، مشيراً إلى أن جذور هذه المؤسسة العريقة التي تأسست رسمياً عام 1862 في عهد السلطان عبد العزيز، تمتد في الواقع لأكثر من 1200 عام لتصل إلى مؤسسة "ديوان الإشراف" في عهد السلاجقة والقرخانين.
وطالب أردوغان الديوان بلعب دور مزدوج خلال المرحلة القادمة، فمن جهة يجب أن يستمر في الرقابة الصارمة لحماية أمانة الشعب، ومن جهة أخرى تقديم "الاستشارات والتوجيه" للمساهمة في بناء رؤية "قرن تركيا".
كما نوه بالإصلاحات الديمقراطية والقانونية (تحديداً قانون 2010) التي وسعت من صلاحيات ديوان المحاسبة، ليصبح قادراً على التدقيق في كافة المؤسسات التي تستخدم الموارد العامة وفقاً للمعايير الدولية.
خطاب أردوغان لم يكن مجرد استعراض تاريخي أو احتفاء بمؤسسة رقابية، بل كان بمثابة "جرس إنذار" سياسي وإداري، يحمل رسالة واضحة للمعارضة والموالاة على حد سواء: عصر التهاون في إدارة الموارد العامة قد انتهى، وأداء البلديات سيكون تحت مجهر المحاسبة القانونية والشعبية دون أي غطاء سياسي يبرر الفساد.